سيد محمد طنطاوي
383
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال القرطبي قوله : * ( وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) * فيه خمسة أقوال : الأول : العبر والمعجزات التي جعلها اللَّه على أيدي الرسل ، من دلائل الإنذار تخويفا للمكذبين . الثاني : أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي . الثالث : أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك . الرابع : القرآن ، الخامس : الموت الذريع » « 1 » . والمعنى : وما نرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا تخويفا لأقوامهم من سوء تكذيبهم لها . فإنهم إن كذبوها يصيبهم من العذاب ما يصيبهم . ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثباتا على ثباته ، ويقينا على يقينه ، وما يدل على شمول علمه - تعالى - ونفاذ قدرته ، وبليغ حكمته فقال : * ( وإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ . . . ) * . أي : واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلنا لك على لسان وحينا . إن ربك - عز وجل - قد أحاط بالناس علما وقدرة . فهم في قبضته ، وتحت تصرفه ، وقد عصمك منهم ، فامض في طريقك . وبلغ رسالة ربك ، دون أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم ، عدوانا على حياتك ، فقد عصمك - سبحانه - منهم . وفي هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ومن التبشير له ولأصحابه ، بأن العاقبة ستكون لهم ، ومن الحض لهم على المضي في طريقهم دون أن يخشوا أحدا إلا اللَّه . والمراد بالرؤيا في قوله - تعالى - : * ( وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) * : ما رآه النبي صلى اللَّه عليه وسلم وعاينه بعينيه من عجائب ، ليلة الإسراء والمعراج . أي : وما جعلنا ما رأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب ، إلا فتنة للناس . ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، وسليم القلب من مريضه . وأطلق - سبحانه - على ما أراه لنبيه ليلة الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان يقظة « لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام ، وعلى رؤية اليقظة ليلا فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا ، كما في قول الشاعر يصف صائدا : وكبر للرؤيا وهش فؤاده . . أي : وسر لرؤيته للصيد الذي سيصيده . أو أطلق عليه لفظ الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية ، نظرا لما رآه في
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 281 .